محمد بن جرير الطبري
339
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فجرى الكلام باستعمال إضافة الجنايات التي يجنيها الناس إلى أيديهم حتى أضيف كل ما عوقب عليه الإِنسان مما جناه بسائر أعضاء جسده إلى أنها عقوبة على ما جنته يده ، فلذلك قاله جل ثناؤه للعرب : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني به : ولن يتمنى اليهود الموت بما قدموا أمامهم من حياتهم من كفرهم بالله في مخالفتهم أمره وطاعته في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ، ويعلمون أنه نبي مبعوث . فأضاف جل ثناؤه ما انطوت عليه قلوبهم وأضمرته أنفسهم ونطقت به ألسنتهم من حسد محمد صلى الله عليه وسلم ، والبغي عليه ، وتكذيبه ، وجحود رسالته إلى أيديهم ، وأنه مما قدمته أيديهم ، لعلم العرب معنى ذلك في منطقها وكلامها ، إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل القرآن بلسانها وبلغتها . وروي عن ابن عباس في ذلك ما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يقول : بما أسلفت أيديهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ قال : إنهم عرفوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي فكتموه . وأما قوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فإنه يعني جل ثناؤه : والله ذو علم بظلمة بني آدم : يهودها ونصاراها وسائر أهل الملل غيرها ، وما يعملون . وظلم اليهود كفرهم بالله في خلافهم أمره وطاعته في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا يستفتحون به وبمبعثه ، وجحودهم نبوته وهم عالمون أنه نبي الله ورسوله إليهم . وقد دللنا على معنى الظالم فيما مضى بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ يعني بقوله جل ثناؤه : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ اليهود يقول : يا محمد لتجدن أشد الناس حرصا على الحياة في الدنيا وأشدهم كراهة للموت اليهود . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد فيما يروي أبو جعفر عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ يعني اليهود . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن أبي العالية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ يعني اليهود . حدثني المثنى ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . وإنما كراهتهم الموت لعلمهم بما لهم في الآخرة من الخزي والهوان الطويل . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا . يعني جل ثناؤه بقوله : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وأحرص من الذين أشركوا على الحياة ، كما يقال : هو أشجع الناس ومن عنترة ، بمعنى : هو أشجع من الناس ومن عنترة ، فكذلك قوله : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لأَن معنى الكلام : ولتجدن يا محمد اليهود من بني إسرائيل أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا . فلما أضيف " أحرص " إلى " الناس " ، وفيه تأويل " من " أظهرت بعد حرف العطف ردا على التأويل الذي ذكرناه . وإنما وصف الله جل ثناؤه اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة لعلمهم بما قد أعد لهم في الآخرة على كفرهم بما لا يقر به أهل الشرك ، فهم للموت أكره من أهل الشرك الذين